الرئيسية من نحن النسخة الكاملة
قرارات شجاعة للرئيس هادي أنصفت الجنوب والشمال.. وهكذا تم الإنقلاب عليها
كتب
الاربعاء 3 نوفمبر 2021 الساعة 18:56
تحليل/ الهادي حمزة

عند تتبع توالي أحداث الأزمة اليمنية، والنظر في معوقات البناء ومعاول الهدم، وتعقب خطوات سقوط اليمن في الهاوية، نجدنا في مواجهة مطابقة لتواتر أحداث الأزمة الليبية ومراحل إنزلاق ليبيا إلى الصراع المدمر.

- مشروع اليمن الجديد

تزامن تسلم المشير عبد ربه منصور هادي لرئاسة اليمن مع اطلاقه لأهم مشروع وطني جامع لكافة القوى والمكونات السياسية والاجتماعية اليمنية تحت سقف واحد، وذلك بأول (مؤتمر حوار وطني شامل) يشهده اليمن، بهدف إنجاز المعالجات العادلة لجميع القضايا، وإرساء القواعد والأسس الضامنة لبناء (اليمن الإتحادي) القائم على المشاركة السياسية المتساوية لكافة القوى والمكونات، والتوزيع العادل للثروات، والإدارة الذاتية للأقاليم والمحافظات وإنهاء المركزية.

- هادي.. شجاعة لا تتكرر

تعاظمت أهمية (الحوار الوطني الشامل) في اليمن مع الشجاعة السياسية منقطعة النظير التي أمتلكها الرئيس عبد ربه منصور هادي، وذلك بأصراره على مشاركة قيادات وقوى الحراك السلمي الجنوبي المطالب بانفصال جنوب اليمن وطرحه للقضية الجنوبية من قلب العاصمة اليمنية صنعاء بصوت عالي، وهو الأمر ذاته الذي منحه لمكون أنصار الله الحوثيين ومظالم أبناء صعدة، ولم يستثني من ذلك الحق مكون أبناء تهامة وقضاياهم. شجاعة وطنية وسياسية منقطعة النظير تجسدت جليا في شخص الرئيس عبد ربه منصور هادي ومشروعه، الذي مثل طوق نجاة لليمن من الأزمات والصراعات والحروب التي عصفت بهذا البلد طوال عقود طويلة من الزمن، وفتح أمام اليمنيين بوابة الانتقال صوب تحقيق تطلاعتهم وحقوقهم في الحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية.

- إغتيال المنجز التاريخي

بدأ اليمن في شق طريقه نحو البناء، مع تأسس الحوار الوطني اليمني الذي ضم مختلف قوى ومكونات المجتمع، وظُن أن اليمن سوف يفاجيء العالم بخطة سيره نحو البناء، لما قام عليه الحوار من شمولية في التمثيل، ولما حُدد له من أهداف. انتهى الحوار الوطني الشامل بالخروج بوثيقة شاملة نصت على عدة بنود ومعالجات غاية في الأهمية، وكان أبرزها إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وحظر وجود المليشيات، والتوازن في التمثيل السياسي، ومنح الجنوب وقواه ومكوناته الشراكة المتساوية مع قوى الشمال في إدارة السلطة والثروة والحقوق والواجبات، ومعالجة قضايا أبناء صعدة ومنحهم كافة الحقوق، وشملت المعالجات كافة القضايا والمطالب الأخرى لكافة أبناء اليمن من أقصاه وحتى أقصاه. وما إن ظهرت الوثيقة الوطنية الجامعة، حتى تصدى لها المتربصون من عدة مكونات سياسية وقبلية وجهوية وطائفية، والذين لا يسمحون ببناء على غير ما يريدون، ووصفوا الوثيقة بأقبح الأوصاف، وشرعوا في طرح أسوأ التوقعات، وأخطر الاحتمالات على العامة. تألفت بعد ذلك، لجنة وضع مشروع دستور لليمن من مؤتمر الحوار. وبعد طول نظر وفحص وجدل، وبالتأسيس على نتائج الحوار الشامل، قدمت مشروعها بموافقة جميع الحاضرين؛ باستثناء ممثل الحوثيين، وبدأ البحث في كيفية التمهيد للاستفتاء عليه. اتحد الفريق الذي يرى نفسه أجدر من غيره في تقدم الصفوف مع الفرق المتباينة، التي لم تجد رؤيتها بين سطور المشروع، وبدأوا في توجيه السهام لإسقاطه، رغم أنهم يعرفون عجزهم على التوافق على بديل، فهم من مشارب شتى، وبينهم من الاختلاف والخلاف ما بين المشرق والمغرب، واجتهدوا في زرع بذور الشك في أحكام المشروع، وفي سد الطرقات أمامه.

- السيناريو الليبي في اليمن

لم تكد مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل في اليمن ترى النور ويستبشر الشعب اليمني بما سيبنى عليها من خطوات النهوض باليمن، حتى فوجئوا بطعنات الغدر تشق طريقها صوب جسد أهم منجز يمني تحقق لليمنيين وتغتاله وبعده لايزال في المهد. وما حدث من إنقلاب القوى والمكونات التابعة للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح ولجماعة أنصار الله الحوثيين على مخرجات الحوار الوطني الشامل ومسودة الدستور الجديد ومشروع اليمن الإتحادي، هو ذاته ما حدث عقب الحوارات السياسية والاجتماعية المتعاقبة في ليبيا، وما تم عقب محاولات إرساء مسارات للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية بين القوى والمكونات الليبية لإنهاء الصراعات وبدأ مرحلة النهوض بالشعب الليبي، فهناك - دائما - من يضع العصا في الدولاب، بحجة البحث عما هو أفضل، وأن الأمر لن يستقيم؛ لأن هناك من يعارض.

- بذور الشقاق

القوى الساعية لزرع الخلاف والشقاق في الصف الوطني اليمني، والذي نجح مؤتمر الحوار الوطني بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي في توحيد كافة أحزابه وقواه ومكوناته من الجنوب وحتى الشمال، سارعت برفض مسودة الدستور الجديد لليمن ووصفه بدستور أبوظبي؛ فقط لأن اللجنة اجتمعت هناك، وقالوا أنه دستور يفكك اليمن؛ لأنه يقسم اليمن إلى ستة أقاليم، وخرج من خبراء اليمن من يقول إنه دستور غريب؛ لأنه لا يحدد علم الدولة، وأن هذه بدعة، وهي الضلال بعينه، وأنه غامض بشأن اسم الدولة، وهذه خدعة؛ لتغيير الاسم من الجمهورية اليمنية إلى الجمهورية اليمنية المتحدة، وأنه إسلامي ثيوقراطي؛ لأنه ينص على أن الشريعة مصدر التشريعات، وأنه لم يكن صريحًا بشأن اليوم الوطني، وما هذا إلا لغاية في نفس واضعيه، وتلاعب بالتاريخ، ولم يتوقفوا عن ترديد أن الشعب اليمني لا يرضى بذلك، رغم أن الشعب لم يقل كلمته بعد في صندوق الاستفتاء. طور المنتقدون من النخب خطابهم؛ لتهييج الرأي العام، ووصفوه بالمعيب وبالكارثي، وبأن طريقه هو طريق الهلاك، وقالوا أنه دستور فرضته دولة الإمارات التي جمعت اللجنة في أراضيها، وبأنه دستور السعودية، التي تريد أقلمة اليمن، وتشعبوا في كيل التهم، وتفحصوا ما يعتقدون انه خلف السطور، وقطعوا بسوء النيات. ومنهم من يدفع بالشرعة الدولية، ومنهم من يدفع بالعادات والتقاليد، ومنهم من يقول أنه لا دستور إلا القرآن والسنة. وانتهوا بعد طول عناد إلى أن الوقت ليس وقت دستور، وأن الامور لم تنضج بعد، وأن الأولوية لمكافحة الفقر والبطالة، وللنظر في التوزيع العادل للثروات. وبدأت التصورات تتعدد، والنخب والسياسيون والزعماء القبليون والجهويون يتناوبون رفضها وقبولها، فما يقبله البعض، يرفضه آخرون، وما يراه البعض عدالة، يراه آخرون مغالبة، وما يراه البعض توازنا، يراه آخرون تقسيما.

- عراقيل مفتعلة

كل هذه الأشكاليات والعراقيل المفتعلة التي وضعت أمام تنفيذ بنود ومعالجات مخرجات الحوار الوطني الشامل في اليمن وإقرار دستور الدولة اليمنية الإتحادية، هي ذاتها الاشكاليات والعراقيل التي واجهها مشروع الدستور الليبي ومخرجات الحوار الوطني الليبي، فحجج ومبررات رفض قوى معرقلة لمخرجات الحوار في البلدين تكاد تكون واحدة، ودوافعها بالتأكيد متقاربة. فأغلب ما قيل في اليمن قيل في ليبيا، وكأن المتحدثين ينهلون من معين واحد. لقد دخل هؤلاء الذين يصرون على أن لا مفر من التوافق، الذي هو بالنسبة لهم إجماع، بالبلدين في سراديب المحاصصة تحت مسمى الشراكة، وتعالت مطالب بعضهم بالرجوع إلى الوراء بدعوى الخصوصية، وتقدم القائلون بها الصفوف، وأصبح القول بأن اليمن؛ كما هي الحال في ليبيا؛ مجتمع قبلي جهوي مقدمة لا مفر من البناء عليها، وأنه لا مناص من السعي إلى مزيد من التوافق والشراكة بين مكوناته قبل أي وثيقة عقد اجتماعي، وقبل أي دستور.

- تفخيخ وإشعال اليمن

تعاقبت قوى الخلاف والشقاق في اليمن من الانتقال من متاهة إلى أخرى، وتراجعوا بالوفاق الذي تحقق لليمنيين إلى نقطة الصفر ومربع التأزيم والأزمات، وعادوا من جديد يجترون ما سبق لملتقيات الحوار ولجنة مشروع الدستور نقاشه والتوافق عليه بصعوبة بالغة، وهو الأمر المطابق لسيناريو زرع الخلاف والشقاق في ليبيا. فمن عرقلة هيكلة الجيش والامن إلى اعاقة توحيد المؤسسات، ومن تعطيل معالجات تحقيق الشراكة السياسية والعدالة الاجتماعية والمساواة في توزيع الثروات إلى متاهة عدن وصنعاء وصعدة في اليمن، وطرابلس وبنغازي وسرت في ليبيا، ومن تفخيخ تطبيق الأقاليم إلى اشعال محافظاتها وعواصمها بحرب مدمرة.

- اغتيال اليمن

بدل الرئيس عبدربه منصور هادي جهود مضنية لدرأ أزمات قوى زرع الخلافات في اليمن ممثلة بالرئيس المخلوع علي عبدالله صالح وأتباعه وجماعة أنصار الله الحوثيين ومليشياتهم، لكن الخرق زاد، واتسع على الراقع، ولم يمض الكثير من الوقت حتى تحولت الاختلافات إلى شقاق، وتعمقت الصراعات، وتعثرت الوساطات، وزاد تداخل القبلي والعسكري، وتشعبت التحالفات، وبرز الدور الإيراني المدمر في اليمن، وأصبحت مزيجًا بين صراع الداخل وصراع الخارج، وكشر الإنقلاب (الحوثي - العفاشي) عن أنيابة بدعم من طهران ويفترس مشروع بناء اليمن الإتحادي الجديد وينشر الخراب في كل شبر من الوطن.

- تكريس الطائفية والتعصب

انتقل الانقلابيين باليمن من وثيقة الحوار الوطني ومشروع الدستور إلى تكريس التعصب الطائفي والسلالي وتغذيته لإدارة الصراع، والتأجيج من الحروب، وفي تفكيك التضامن بين القوى اليمنية، وتحول الحديث من حقوق المواطنة إلى حقوق الطوائف والقبائل، واتسعت رقعة التصنيفات الجهوية والقبلية والعنصرية. وكما حدث في ليبيا من انتشارا تصنيفات البدو والحضر والقبائل، حدث أيضا في اليمن تقسيم المواطنة إلى مواطنون من الدرجة الأولى ممن ينتمون إلى الطائفة الانقلابية، ومواطنون من الدرجة العاشرة ممن لا ينتمون إلى السلالة الحوثية حتى وان كانوا من اتباعها.

- خلاصة..

ان ما يكابده اليمن واليمنيين اليوم من حرب مدمرة وأزمة انسانية غير مسبوقة ومجاعة تقرع الأبواب بشدة، لن ينتهي بمجرد القرارات الدولية، وستبقى مسودات الحلول السياسية التي تروج لها قوى دولية حبرا على ورق.. فأساس الأزمة اليمنية هو الانقلاب الحوثي على الدولة اليمنية ومشروع اليمن الإتحادي، ودون القضاء على هذا الانقلاب ومليشياته وعودة الدولة اليمنية ومؤسساتها ستبقى نار الحرب اليمنية مستعرة.